حين يخرج علينا روائي من قلب التاريخ والمؤرخين، فلا شك أننا سنتعامل
بريبة مع عمله، لكن إصداره الاول (جارات أبي موسى) (1997) تضعنا امام
متخيل لا يعبث بقارئه، بل نواجه روائيا جادا في فن التفاصيل والإيهام
بتاريخية تحمل متعتها فوق كف عفريت السرد الكلاسيكي:
(أخبرني أيها الخديم (من الجان) أين يوجد الدرهم المطبوع.
... أيها الداخلون (الجان التي تسكن كيما) اخرجوا من بستاني هو الذي
يتوسل إلى حكائيات تمثل عتبات عنوان الرواية التي تستلهم تسميتها من
الخرافة الأسطورية لتضعها على محفة الألفة القرائية، علينا ان نقطع ما
ينيف عن نصف الرواية إذا أردنا ان نطأ عتبة الرواية التي تمنح لغزها بعدا
ضاربا في زمن الحكي الأفقي: (كانت شجيرة الحناء في اول الزمان كبيرة تضرب
بعروقها في الأرض وترسل عروقها واغصانها في السماء مثل شجرة الجوز وكانت
اوراقها واسعة كراحة اليد او أكبر، وكانت ناقشات الحناء يضعن رسمها في
اليد اليسرى للوقاية من العين ومن أنواع الشرور...وفي زمن بغيض ما عظم
الشر ولم يعد نقش شجرة الحناء وحده يكفي في رد تلك الشرور، وسئل الصالحون
عما ينبغي عمله لوقف الوباء الكاسح =، فأشاروا برسم القمر في وسط راحة
اليد لأن القمر غيرة على كل جميل. ثم جعل رسم شجرة الحناء في مرتفع
الراحة الذي يلي البنصر، وجعل جذع الشجرة في الأصبع حتى تستفي من القلب
وجعل الفروع في ذلك المرتفع ممتدة إلى نهايته، ولما رأت شجرة الحناء انها
مزاحمة بالقمر متهمة من الصالحين بذهاب التأثير انكمشت وتقزمت إلى حجمها
الحالي فهي ماتزال الشجرة التي تستقي من القلوب ولكنها صارت تحتاج إلى
فعل القمر حتى تدفع الشر عن الجميلات...
هل تكونين القمر وأكون شجيرة الحناء؟
...فقالت كيما: انت الشمس فلا تحرقيني ) (157/158)
ومن الطبيعي ان تنتشر هذه العتبات على الصفحات
(178/207/230/231/134/140/141/ 142/237/243/253/254/255)) كانما تريد
إعطاء تفسير للحكاية الكبرى عبر حكايتها الصغرى لأن الرواية تدور أصلا
حول حياة وسيرة ذاتية للقائد همو تحت الإدارة المخزنية في الجنوب المغربي
لأن الشجرة والقمر تضرب بجذورها في تامازيغت (تاسغارت دوايور) كما تضرب
في موروث الملحون:
(الحنا شوك وتحني ***** والشوك غير شوك ***** يجرح وما يحني)
من ثم كان القائد همو شوكا ورمزا للاستبداد والاقطاع المخزني همه
الوحيد إرضاء رؤسائه وقهر مرؤوسيه وتجميع وسائل الجاه والمتعة والتملك
ضذا في شيوخ (أهل النصف والفج الاعلا والفج الأسفل وممر الريح والقعدات
واعلى الوادي وسفح الضباب وشعاب الملح وشعاب البساتين ووادي الزيتون واهل
المعزى والمنازل والقدامى وأيت أبريم) وبذلك تتجذر التسميات في فضاء
القرية والمراتبية الاجتماعية التي تسعى الرواية إلى نوع من إسقاطها
بحركة خفية على تاريخ يعيد نفسه من خلال هاته التراتبية الجوفاء لانها
تصب في جحيم سلطة عمياء خاصة وأن القائد همو (يحس بضيم وحرج لانه خرج من
الكتاب قبل ان يتم سلكة من الكتاب العزيز، إذ كان يظن وهو في جباله لا
يغادرها ان كل ما يحتاج إليه المرء في الحياة هو ان يكون صاحب نسب وان
يعرف كيف يركب الخيل ويمتلك الأرض، وها هو الآن لا يفهم الكثير مما يقال
امامه ولا يضحك إلا تقليدا للجالسين المتكلمين...)(68).
ويحاول الروائي تقديم صورة شبه كاركاتورية عن قائد لا يعرف الحمام
والاغتسال كما لو كان الرمز فارقا تاريخيا: (دخل همو بعد أن تفرس في
العبد وكتم الضحك فوجد كل شيء معدا مما لم يشهد زخمه من قبل من الآنية
والفوط وانواع الصابون. وتناول العبد سيده كما تتناول الام طفلها برفق،
وعالجه بالدلك والتقليب ظهرا لبطن، حتى كاد أن يستسلم للنوم، وما فرغ منه،
في وقت قصير، حتى شعر باسترخاء رواحة لم يعرف لها مثيلا من قبل) (74/75)
فالحمام علامة فارقة على التطهير من الضنك وولوج عوالم النخبة التي
يخدمها السماسرة(ابن الزارة) والتجار اليهود (باروخ/ شليمو/ندري/إيشوعا/
سميحة) وشيوخ يشترون ولاءهم من القائد همو الذي يراكم هداياهم كما يراكم
النساء (للا السالمة. كيما) ويراهن على شركسية من تركيا. وامرأة واحدة هي
المجدوبة البلهاء(فاضما تاعجانت) هي من تمثل الوعي الشقي الذي يفضح واقع
القائد همو وغنجازاته القهرية، التي تجعل من داره سوقا عاما لعرب الشاوية
ودكالة إلى بربرسوس وعطاويين من بلاد الفايجة... وتافيلالت، حيث تصبح
أداب صنعة الشاي عند الروائي (95/96/97) علامة على إيجاد وئام مفتقد
تعززه زيارة السلطان او خلاوج القائد همو (حركة) السلطان.
ولكي يعزز الروائي من تقاليد العصر يلجأ إلى الثقافة الشفوية لتغريبة
بني هلال والشيخ هدي. من ثم يوظف الحكي المصغر داخل الحكاية الكبرى
اعتمادا على قوالب الحكائية: (وقال الراوي/ وتابع الحاكي/ ورددت الناس في
الحلقة/وأضاف الحاكي/ وزاد الحاكي/وتابع الحاكي) لتنتهي الحكاية الصغرى
بهبة بطولة تسافر كثيرا ةتبحث عن بلاد بعيدة على خلاف الثقافة الامازيغية
التي تشبه شجرة الحناء التي لا تكبر ولا تسافر حتى على السفح الآخر من
الجبل. وبذلك يتغلب مكر (السالمة) على براءة (كيما) في مطابقة اليدين على
الرسم الممنوع قصد الجمع بين القمرين والشجرتين كرمزين للاختلاف والهوية.
ويصبح البحث عن الكنز (190/191/192/193/194) هدفا لتحقيق مستحيل ما تبخل
به الطبيعة على العوام وتهبه للخواص كدلالة على النقمة التي تطيح برأس
القائد همو وشرهه الذي يحد منه مكر الوسطاء اليهود كفئة مستضعفة عبر
التاريخ، تفضحها حكمة المجذوبة فاضما تاعجانت وهي تدور في الأسواق مرددة
أغنيتها العامية:
(با روج كل الخوخ
...
...هاج الناس وماجوا ولم يهتموا بدفن القتيل ولكنهم اهتموا بنهب داره
حتى تركوها قبل أن يرخي الظلام سدوله في ذلك اليوم خاوية عارية حتى من
أخشاب سقفها...) (149) ويدل نزع أخشاب السقف على العودة إلى العراء
الأصلي والبداية الأولى لتلااتبية لا تقوم على منطق العدالة بقدر ما
ترتكز على سلطة عمياء تحصد الغالي والرخيص.
ويظهر ان خلفية المؤرخ الروائي حاضرة في رواية (شجيرة حناء وقمر) لان
اسهام المؤلف في دراسة (المجتمع المغربي في القرن 19)وتحقيقه (لدعامة
اليقين في زعامة المتقين)، بالإضافة إلى (مواهب ذي الجلال في نوازل
البلاد السائبة والجبال) قد ساهمت بشكل قوي في تجميع تفاصيل الأحداث
ورفده بمادة روائية جعلت من تمجيد التاريخ اسقاطا على حاضر يتغير في
أشكاله وإن ظلت محتوياته واحدة. وقد ساهم النفس الروائي الطويل في رواية
من (260) صفحة في تجميع خيوط الحكي الأفقي الذي بجعل من الماضي حاضرا
يفرغ السلطة من معناها الأسطوري ويلقي بها على قارعة المكر بالغلبة الذين
لم يترددوا في اقتلاع آخر دلالة على حضور القائد همو وهم ينهبون آخر قطعة
في داره قبل أن يجف دمه امام منبر القداسة الدينية، على غرار تقاليد
السلطة الجائرة في المجتمع الإسلامي.
ويبدو أن الرواية كتبها فقيه مؤرخ بحس تعليمي واضح لا يتردد في شرح
كلمات وعبارات عامية في الزجل الوارد في النص الروائي كما انه لا يتورع
في داخل نصه عن إعطاء شروح لكلمات بربرية (تاونزا = الغرة الكبرى) وكذلك
الامر بالنسبة لأسماء الحلي (البنقش/اللبة/الخرصة العامرة) الأقراص
الداداسية/الدواح/ الازبكان/تازرا/الدجيجة/فكرون المضمة/خاتم الغش/خاتم
الطير/ خاتم التاج) وكلها جزئيات يتخللها التلقين لحد أننا نخل أنفسنا
أمام رواية أطروحية تجعل من الوصف ومنطق الحكي هدفا لمجرى تاريخي يجد
استراحة محاربه في شكل روائي يمارسه تمجيدا لكتابةغائبة عن الرواية
المغربية، حيث يتموضع الروائي في خندق جنوبي وتاريخي يعزم فيه على
الأرواح الهائمة ليتحلل من سلطتها الوضيعة عبر سلطة الفقيه والمطلق لكن
من زاوية شخصيات امازيغية (همو/ولد الشهباء/ فاضما تاعجانت)/ابن الزارة/
ددامح كيما/عبوش/باشا/شطو/ جامو/حدوم/بوعمائم/الطالب عابد/ بوبزاطل)
ليطبع مسار حكيه بنكهة من (ستكلمون لغة غير لغة الايالة) و(الضرورة التي
جعلت اسم محمد يختصر إلى (همو) و(مخالطة العرب التي تدفع إلى قول الشعر)
أو (عدم القدرة على القيام بعربية مكتملة) حيث يظهر (بحر الدموع) كتابا
في الوعظ باللغة الامازيغية مفجرا لثقافة هوية درعه وسوس والأطلس الكبير،
إذ تضطر الخادمة إلى ترجمة كلام السالمة إلى امازيغية كيما كما كانت أم
كيما ترحب بالسالمة بلغتها الامازيغية.