|
|
|
 |
|
رواية شمس سكورتا للوران كودي
جائزة كونكور 2004
|
|
نشرلوران كودي ثماني مسرحيات من سنة 1999 إلى سنة 2004، وثلاث روايات هي
(صيحة) (2002)، و (موت الملك تسونغور) (2003) و (شمس سكورتا) (2004) وكان
حظ هذه الاخيرة ان تنال جائزة الكونكور لنفس السنة.
تلك هي المفارقة الاولى، اما المفارقة الثانية فتندرج في إطار تجاذب
ايقاعات عولمية جعلت من روائيي الكونكور للعقد الاخير يبحثون عن موضوعات
رواياتهم خارج فرنسا.
فمنذ كونكور (تذكرة ذهاب فقط) التي جعلت من المغرب موضوعا لها تعاقبت بعد
ذلك رواية (أحمد برازيل) لتقليب ألوان لاتينية، وبعدها رواية (شمس
سكورتا) للروان كودي، الذي قرر النبش عن مافيوزات عجائبية ف جنوب إيطاليا
نهاية القرن 19 وبداية 20...
وقد احتفت هذه الرواية الفرنسية بقرية مونييسيو البيضاء، بمنازلها –
البيضاء المتلاصقة والمتراصة فوق مرتفع بحري، يجعل منها أحلام محبطة
لعائلة سكورتا، التي لا حقتها لعنات الغبن والجريمة، فبعد سنوات العقد
والنصف التي قضاها لوسيا نوماسكالزوني سكورتا في السجن، يعود جد الأسرة
ممتطيا حماره، يخترق أزقة القرية العتيقة بعد رحلة شاقة، وفي غفلة قيلولة
تئن تحت حر حارق، ليتوقف أمام منزل عشيقته ليسكوتي، طارقا باب بيتها،
معلنا في فرحة عارمة: (أنا هنا من جديد، بعد غياب عقد ونصف)، لتفتح له
ىمرأة بابها ملقية عليه نظرة استفسار، لا تحمل حقدا ولا حبا، كما لو كانت
تحدق في عيون قدرها، الذي يقرر تحت ولهه بها كل هاته السنين، ان لا يتنظر
طويلا، حتى يحتضن المرأة، مقفلا الباب وراءه، وفي حركة شيطانية ينزع
الرجل ثياب المرأة عنها، ناظرا إلى عريها، متمتما بغسمها:(فيلومينا). ولا
يمهلها تحت وقع المفاجأة، ليضاجع المراة المستكينة، منفذا وعدا كان قد
ضربه لنفسه وهو في السجن ان ينتقم من القرية بكاملها في شخص هاته المرأة،
حتى وهو منخدع فيها إذ لا وجد لفيلومينا، بل لأختها الشبيهة بها، أليست
هي امرأة برائحة أنثى؟ ألم تتركه ينال منها وهي تعلم خطأ هدفه؟ ورغم ان
لوسينانوما سكالزوني سكورتا ليس أصلا من هذه القرية، إلا انه يحبها فهي
ترتبط في وجدانه بفيلومينا بيسكوتي التي أغرم بها، وكان يحلم وهو في سجنه
قضاء ليلة واحدة معها، وها هو القدر يحرمه منها في يوم دون مجد، ليجد
نفسه امام فتوة القرية المسلحين، وهم يطوقونه لغسل شرف قرية مونتبيسيو
التي اعتقد أنها نسيته طوال مدة غيابه كمارق يضايق فتياتها...
وامام فراغ حياته، تملكته هلوسة التعلق بفيلمونا، التي لم يكن يدري انها
قضت نحبها وان التي استقبلته لم تكن غير اختها، وها هو يعيش على حلم
اللقاء الخاطئ مع إماكولاتا. حملت سفاحا منه، لتضع طفلا يحمل علامة
الخطأ، وتولد شجرة انساب في يوم شمس حارقة، لان القدر شاء ذلك، كما تصنع
القطط بقدمها وهي تقلب عصفورا عقاب الطبيعة، وكانت القرية ترتئي قتل
الوليد، لكن الراهب يتدخل مرة أخرى للاعتراض على ذلك لان الطفل هو إبن
الخالق، الذي سينقل في نفس اليوم إلى قرية سان جيوكوند أقرب قرية إلى
الشمال لتحتضنه أسرة بحار، ويكبر روكو سكورتاما سكالزوني عنيفا متعطشا
للقتل، إذ لم يعد إلى قريته الأصلية غلا عندما بلغ عمر زرع الرعب والسرقة
والقتل، وحتى حين تخرج جماعة مسلحة لتصفيته، فلا يلبث أن يعثر عليها
مشوهة مطروحة على قارعة الطريق. وحين تستقر له الاحوالن فإنه يبني بيتا
في اعالي القرية متحديا فقراءها، فقد أصبح غنيا بما فيه الكفاية لينال
احترامها، وحين يعلن احدهم عن تبرمه به يخاطبه: (اسكت أيها النذل، فانا
عقابكم).
وتقع المفاجأة الكبرى يوم يتقدم إلى راهب القرية، في صيحة شاهدين وامأة
بوجه خائف ليطلب مباركة زواجه، وخلال طقوس الزواج يسأل الراهب عن اسم
الزوجة فيرد عليه روكو إنها صماء خرساء، فقد اختارها كذلك لانه أحمق
وهجين لانه يعرف جيدا انه وليد جثةعانس ونزوة مهووس، لقد سخر القدر منه
وجعله عدوى وسحابة جراد، وزلزالا،ومرضا قاتلا، فهو الملاريا والجوع
معا.ويكبر ميث روكو سكورتا ماسكالزوني، بعد ذيوع زواجه بالخرساء الصماء
القبيحة، تلك التي تهبه ثلاثة أبناءهم: دومينكو وكيوسبي وكارميلا...
وفي سنة 1928 يظهر الأب في صحبة خرسائه وأبنائه ليعلن للراهب بعد خمسين
سنة اعترافاته بجرائمه، وانه يضع كل ثروته في خدمة الكنيسة، حارما ابناءه
منها، لان عليهم مقارعة الفقر مثله، شريطة تكريم موت شجرته فقط.. ويكوت
وهو يضحك في قبره لانه أخضع القرية بجاهه، وقد جنب أبناءه الجنون، فما
عليهم غلا مقارعة
الحياة في هجرة غير موفقة إلى امريكا وعودة خائبة إلى القرية بعد أن
فقدوا الأم الخرساء والأب المتهور...
وفي سنة 1934 يتزوج الاخوة، ويتعاطون تجارة التبغ والتهريب والمشاركة في
الحرب الاسبانية، وبعد سنة 1946 يقبل راهب جديد إلى القرية لينقض اتفاق
والدهم مع الكنيسة، جاعلا من العائلة فرعا لا هو بالاحسن ولا هو
بالأسوأ... ليأتي الاحفاد منخرطين في تهريب الألبان والإيرانيين
والصينيين والنيجيريين إلى اوربا. في غمرة اقبال السياح وظهور فنادق كبرى
بنيت فوق قرية كحيوان يستيقظ لتوه بعد قرون من الغفوات، ويبدوا أن أرضها
زلزلت وتزلزلت لان موتاها جوعى وعطشى، لهذا اختارت عائلة سكورتا التهام
الشمس بشره كبير، إذ لاشيء يريحهم غير التهام وتجرع شمس القرية، وحتى
حمارهم موراتي لم يتحمل العيش فمات بسرطان الرئة، مما يؤكد انه كان يدخن
سجائر القرية علامة على تحولها من الجوع والعطش إلى نشوة قاتلة... ذاك هو
موضوع رواية ( شمس سكورتا ) التي فازت بجائزة الكونكور، وهي تحلق خارج
الفضاء الفرانكوفوني، وهو ما لم يمنعها من جدب عولمة على مقاس الإعجاب
الفرنسي بإيطاليا تلك التي كانت نمودجها النهضوي والكلاسيكي لما ينيف عن
القرن...
سعيد علوش
السبت 18 دجنبر 2004
العلم الثقافي
|
|
|