|
تعود
علاقاتي الأولى بالنقد الموضوعاتي إلى عقد من الزمن، حين تعرفت بباريز
على جان بيير ريشار، كمحاضر في الموضوع، ومشرف على زميلتي كيتي سالم- أخت
الروائي السوري جورج سالم- والتي كانت تحضر رسالتها حول موضوعة (القلق في
قصص كي دي موباسان)، كما حظيت كذلك بمتابعة نقاش ج.ب. ريشار لهاته
الأطروحة. ورغم بداية اهتمامي بكتابات النقد الموضوعاتي، إلا أن هذا
النقد بقي بالنسبة لي مشروعا مؤجلا من بين مشاريع أخرى.
أما
وقد بدأت افتح عيني على الحداثة العربية، فإن ما راعني هو هذا النزوع
الجارف نحو موضوعية الاتجاهات الوجودية فالبنيوية فالشكلانية، وقد وجدت
جميعها ردود فعل مختلفة ومتفاوتة وظرفية.
ولما كان ما يشدني في هذه الحادثة هو
ثوابتها المعرفية، فقد حاولت من خلال كتاب سابق عن (هرمنوتيك النثر
الأدبي) (1985) إثارة الانتباه إلى هذا العصب الحيوي على مستوى عديد من
الحقول المعرفية المتداخلة. تلاه بعد ذلك ترجمة كتاب فرانسواز ارمينكو (المقاربة
التداولية) (1986) واستمرارا في هذا الإطار أقدم اليوم مقاربة حول (النقد
الموضوعاتي) (1987) وهو بدوره لا يقدم وصفة جاهزة قابلة للتطبيق، بقدر ما
يمهد للإطار المفهومي في علائقه بالنقد الجديد. لهذا لا تتموضع مقاربتنا
ضمن نوع من الاستغراب في مواجهة الاستشراق، كما أننا لا ندعي سد فراغ أو
تعويض غياب الإنتاج النظري النقدي بمادة استهلاك أبدية، لأن حذف مادة
النقد الموضوعاتي من برامجنا الدراسية الجامعية أو غيابه في كتاباتنا لم
يصب قراءنا بالخيبة أو كلياتنا بالأسف. من هنا فنحن نعتقد أن وجود هذا
العمل لن يغير الكثير من قناعاتنا بقدر ما يدفع إلى التساؤل عن هذا
المسكوت عنه في الترجمات والمقاربات والرسائل الجامعية. فهل هي أزمة نقد
موضوعاتي أم أزمة عدم وجود قراء محتملين له ؟ وهل حداثتنا العربية لا
تمتلك من القنوات المعرفية غير تلك التي خصت بها وروجت لها جملة من
الإنتقاءات والتأليفات المكيفة والتبسيطية لهذه الحداثة العربية، ولكي لا
تبقى أحادية المنظور أقدم عرضا لا أقول بأنه يشمل ويلم بالنقد
الموضوعاتي، ولكنه يمكن القارئ المغربي والعربي أن يكون قارئا له حق
الاستئناس والتحسيس بمقاربة حياها الباحثون الفرنسيون أخيرا بإصدار كتاب
خاص بها ومهداة إلى رائدها ج.ب. ريشار، تحت عنوان أرض التخيل (territoire
de l’imaginaire) (1986)، وهؤلاء الذين أهدوه الكتاب هم : جان بلمين نويل
(Jean Bellmin-Noel) (1986)، والشاعر ايف بونفوا (Yve Bonnefoy) وبيير
برونيل (pierre Brunel)، وميشال بيتور(Michel Butor)، وميشال كولو
(Michel Collot)، ورايمون دوبري جنيت (Raymonde Debray Genette) وبياتريس
ديديي (Beatrice Dédier)، وجاك ديبان (Jacques Dupin)، وجان ديبون (Jean
Dupon)، وجيرار جنيت (Gerard Genette). وجنين جلات (Jeannin Jallat)،
وجان كلودماتيو (Jean Claude Mathieu)، وجورج بولي (Jeorge Poulet)، وجان
رودو (Jean Roudaut)، وجان روسي (Jean Rousset) وجان ستاروبنسكي
(Jean Starobinski).
ولا
نعتقد أن شهادة كل هؤلاء النقاد البارزين والمعاصرين في فرنسا تخلو من
دلالة وأهمية اكتسبها النقد الموضوعاتي ورائده ج.ب. ريشار. إنه النقد
الذي اكتسب شرعيته من ممارسته أولا، ومن تقاطعه مع عديد من المقاربات
السيميائية والبنيوية في عصر اللسانيات الذي لم يصب النقد الموضوعاتي
بالكثير.
إنها
إذن مجموعة من الحوافز، تلك التي كانت وراء قراءة الكتابة، وكتابة
القراءة الموضوعاتية، من خلال العرض والتطبيق والترجمة، خارج الانبهار
والموضوية، وبعيدا عن المزايدة أو الوساطة الترويجية. من ثم يأتي كتاب (النقد
الموضوعاتي) لا ليسد تغرة في الصرح الكبير، ولا ليفتحها في نفس هذا
الصرخ، ولكنه يأتي لتوسيع فضاء السؤال، حول أبعاد وعمق وصلابة المقاربات
الأدبية التي تعصف بنا كسلطة معرفية ووجودية لا تخدم سلطة أخرى غير هذا
الكائن الأنطولوجي الكامن في الدرس الأدبي والباحث عن صور وعلائق تخيلاته
عبر الماء والنار والهواء والأرض، أي عبر عناصر حياة الصور الأدبية، كما
كشف عنها ج.ب. ريشار، في (عالم مالارمي التخيلي)، وكليطو في (موضوعاتية
القدر في روايات مورياك)، وكيتي سالم في (قلق قصص موباسان)، وعبد الكريم
حسن في (الموضوعية والبنيوية في شعر السياب)...
إنها
إذن هموم الباحثين والمبحوث عنهم، تلك التي يقودنا النقد الموضوعاتي
نحوها، فهل هو نقد النقد، ذاك الذي تقوم به اليد الثالثة- مادامت الثانية
نقدية والأولى إبداعية أم أنها دعوة لتكامل إصداراتنا حول الهرمنوتيكي
(1985) والتداولي (1986) والموضوعاتي (1987).
سعيد
علوش- الرباط في 8/3/1987. |