|
يعد وضع الأدب في الدرجة الثانية
وجعله موضوعا للنقد طرحا يستحق التأمل. إذ علينا أن نودع النهار
والموضوعات انطلاقا من اللحظة الدقيقة التي تعبر فيها حدود عمل ما.
وستظهر لنا بدون شك أشكال قريبة منا في توضحها بأضواء جديدة، إلا أن
علينا أن نحتاط، فلن تكشف هذه الأشكال عن أكثر من غياب للكائنات التي
اعتادت على إظهارها. وهل نحن في حاجة لأن نقول بأن الأدب تخيلي كليا؟
تلك إذن هي النتيجة المحضة للفعل الذي
ننقل عبره هذه الموضوعات إلى فكر. لقد طمر الكاتب كل ما ليس بفكر، مبقيا
على الفكر الموجود والمقتحم والمستوعب، في انفتاح على سلسلة مخابيء
مختلفة، فارغة ومملوءة في نفس الآن، تخلق تأثيرا تاما بتأكيد الوجود الذي
لن يكن على المنخرط فيه تطليق عالم الموضوعات فقط، لينصرف وحيداً دون
تحمل عبء أي مرافق.
من ثم، علينا إذن وبكل بساطة أن نخضع
إلى جزئيتنا في التردد على الأمكنة، ساكنين مسكونين بالفكر، فلا وجود
لغير هذا الوعي عند الناقد الذي يعد غيريا، بل وحيدا وعالميا، إذ أن
النقد الوحيد والموجود ربما هو نقد الوعد.
هكذا يظهر اليوم، مثلا، نقد موريس
بلانشو
(M. Blanchot)،
في منتهى عريه، فلا وجود لأكثره صفاء ! ولا لأكثره أدبية. إنه أدب الأدب،
ووعي الوعي، لمماثلته التامة، في ميدان النقد، ما أنجزه مالارمي (Mallarme)في
ميدان سامي هو ميدان الشعر. من ثم، نتساءل كذلك، فيما إذا كان النقد
محكوما عليه أن يعكس الوعي بشكل شامل بما أنه وعي بشيء ما؟ كما نعتقد ذلك
الآن، أليس من الممكن العثور على هذا الشيء الذي هو موضوع الفكر في نهاية
الفعل الأدبي ؟
يقول مارسيل رايمون
(M.Roymond)
: " لقد رأينا الوعي ينعزل، ويتغير كل شيء فيه حين يقبل باقتحام مباهج
العمل له، وبعثوره على سعادته في الأضواء الخارجية، وجني الحساسية".
يوجد إذن ضوء وموضوعات في مكان ما،
بأعماق الوعي، وبالجهة الأخرى التي أصبح كل شيء فيها تفكيرا، وبالنقطة
المعارضة للنقطة التي اقتحمنا بها، كما توجد كذلك عيون لإدراك ذلك. ولا
يرضى النقد بالتفكير في الفكر فقط، لأن عليه، وعبر هذا الأخير الارتقاء
من صورة إلى أخرى، نحو بلوغ الحساسيات. كما عليه أن يصل إلى الفعل الذي
تتعاقد بواسطته الروح مع جسدها وجسد الآخرين، أي تتوحد فيه بالموضوع
لإبداع الفاعل.
وهنا، تكمن الهمية القصوى- فيما يظهر
لي- لنقد ج.ب. ريشار
(J.P. Richard)
في ظهور وعي نقده غير فارغ، بل يعبر عن علائق تطبق لتحويل عالم مجسد إلى
مادة الحساسية. فهو يولد نقدا جديدا، يقترب أكثر من المصادر التكوينية
ومن الوقائع الحساسة. فهو نقد جديد جاء كخلاصة للمجهود النقدي خلال
العقدين الأخيرين. من هنا، كان علينا أن نعود بالدرجة الأولى وباستمرار
إلى هذا الكتاب الفريد والكبير من نقد قرننا ألا وهو (من بودلير إلى
السوريالية)، والذي عرف فيه مارسيل رايمون بطريقة جد ساحرة كيف يكتشف
خارج الأعمال في الاحتكاك بالأشياء ومحو الحدود بين الموضوعي والذاتي.
ويكشف- بقدر أقل أهمية- الكتاب الكبير
لألبير بيكين
(A.Béguin)
حول (الروح الرومانسية والحلم) في صدوره عن منطق التأمل الانفعالي، يكشف
إذن عن الطبيعة كمادة للحلم نفسه، والذي تلاحقه الروح.
وتوجد إلى جانب الأعمال النقدية
المحضة أعمال أخرى لتموضع الفلسفة الحديثة كلها في مجال مجاور للنقد إنه
مجال ما قبل- الفلسفة الذي يظهر فيه تشابه عميق للفلسفة والأدب في فعلهما
الأول الذي يرتدان فيه إلى موضوعاتهما، وهكذا يفتح التجسيد وضعية الكائن
في ارتباطه بجسده كمركز تجربة عند جابرييل مارسيل
(Gabriel
Marcel).
ونجد أن سارتر يلم بالوعي كوعي بشيء
آخر غير الذات، ومنذ مدة فارطة كان جان وال
(Jean Wahl)
بدوره يلاحق عملا يعد من بين الأعمال الأكثر توقدا في فترتنا، ويستهدف
اختلافات " الواقعية الطبيعية"، خاصة وأن الفكر " يتوجه نحو شيء معين آت
من شيء ما".
كما أخرجت حديثا كتب ميرلوبونتي
(Merlean-Ponty)
إلى النور حفريات "التواطؤ البدائي مع العالم"، في التباسها بغموض
الإدراك.
ونعثر في الأخير، بين الفلاسفة الذين
فتحوا حقلا للنقد، هوالأكثر خصبا، على نقد غاستون باشلار
(Gaston Bachelard).
فمن خلال قوانين العناصر الأربعة يوضح " الرغبة المدهشة للاقتحام، والتي
تفكر خارج إغراءات تخيل الأشكال، في المادة، أي في حلم المادة، والحياة
في المادة، أو جعل التخيل ماديا- وهو ما يلحق بنفس الشيء- وليست هذه
المقارنات ثقيلة على هذا الكتاب. وأقول بأنه يستدعيها بما أنه يصدر
بالطبع عن الأعمال التي تكلمت عنها سابقا. إذ نادرا ما أفاد فكر ما من
الأفكار اللاحقة عليه، ونادرا ما تطابق التطبيقات المبادئ تماماً، ولا
يتعلق الأمر هنا بفلسفة وبوعي منعزل أبدا. فكل ما يمكن أن يوجد من عام
وتجريد يعد كما لو يكن مدركا، فلا بقاء لغير فكر عجيب ومقبول، يغوص في
جوهر الأعمال، ويصعد نحو التجارب الحساسة المكونة للمصدر وللنية غالبا.
من ثم، يوجد الكائن خارج العمل، وخارج
الكائن يوجد العالم، إنه عالم الآخرين الذي يتطلب التواصل معه، وهو عالم
يعد تارة أكثر تميزا، وتارة أخرى أكثر إبهاما، وهو مكان تعاقبي للمعرفة
والرقة اللتين لم يستطع ستاندال
(Stendhal)
التوفيق بينهما إلا بتغليفهما بظل خفيف وبموضعتهما في عمق منظورات نظرته.
كما أنه عالم أكثر قربا، فنحن نجد عند الكونكوريين (Les Goncourts) عالما
للسطوح، والبشرات، وعالما مزدهرا للمس والعناق الذي يرفض ما تحته من عالم
كثيف أن يلمس، وهو كذلك ما نجده عند فلوبير (Flaubert) العجيب، والذي
يتوسط العمل، وينفتح على عالم عميق، يغوض فيه الكائن في خضم المادة، إذ "يجري
الإحساس في اضطراب منسجم". ويصبح من العسير على النقد- انطلاقا من هذا
الكتاب- الانغلاق داخل الوعي لتداخل الداخل والخارج في وسطهما المتواصل،
" فهنا لا تعد المادية والمثالية تنحية لنا، فابتعادنا عن النظريات، يبرر
بكوننا في قلب الأشياء ذاتها"، في قلب الأشياء، وفي قلب الروح.
|